المقريزي
216
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وقيل : إنه انتقل إلى أرض مصر بأسباب ، وإنه ملكها وكان له أولاد منهم : طا ، وصا ، وأشمن ، وأتريب ، وقفط ، وإنه كان حكيم زمانه ، وإنه لما توفي دفن في البناء الذي يعرف بمدينة مصر : بأبي هرمس ، ويعرفه العامة بالهرمين ، فإن أحدهما قبره والآخر قبر زوجته ، وقيل : قبر ابنه الذي خلفه بعد موته ، وهذه البنية يعني الأهرام : طولها بالذراع الهاشمي ، أربعمائة ذراع وثمانون ذراعا على مساحة أربعمائة وثمانين ذراعا ، ثم ينخرط البناء فإذا حصل الإنسان في رأسه كان مقدار سطحه أربعين ذراعا ، هذا بالهندسة وفي وسط هذا السطح ، قبة لطيفة في وسطها شبيهة بالمقبرة ، وعند رأس ذلك القبر صخرتان في نهاية النظافة والحسن وكثرة التلوّن ، وعلى كل واحدة منهما شخصان من حجارة ، صورة ذكر وأنثى ، وقد تلاقيا بوجهيهما ، وبيد الذكر لوح من حجارة فيه كتابة ، وبيد الأنثى مرآة ، والرف ذهّب نقشه نقاش ، وبين الصخرتين برنية من حجارة على رأسها غطاء ذهب ، فلما قلع فإذا فيها شبيه بالنار بغير رائحة قد يبس ، وفيها حقة ذهب فنزع رأسها ، فإذا فيها دم عبيط ساعة قرعه الهواء جمد ، كما يجمد الدم وجف ، وعلى القبور أغطية حجارة ، فلما قلعت إذا رجل نائم على قفاه على نهاية الصحة والجفاف بين الخلقة ظاهر الشعور ، وإلى جنبه امرأة على هيئته ، قال : وذلك السطح منقر نحو قامة كما يدور مثل المسمار ذات آزاج من حجارة فيها صور وتماثيل مطروحة وقائمة ، وغير ذلك من الآلة التي لا تعرف أشكالها . وقال العلامة موفق الدين عبد اللطيف بن أبي العز يوسف بن أبي البركات محمد بن عليّ بن سعد البغدادي المعروف بابن المطحن في سيرته ، وجاء رجل جاهل عجميّ ، فخيّل إلى الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف أن الهرم الصغير تحته مطلب ، فأخرج إليه الحجارين وأكثر العسكر وأخذوا في هدمه ، وأقاموا على ذلك شهورا ، ثم تركوه عن عجز وخسران مبين في المال والعقل ، ومن يرى حجارة الهرم يقول : إنه قد استوصل الهرم ، ومن يرى الهرم لا يجد به إلا تشعيثا يسيرا ، وقد أشرفت على الحجارين فقلت لمقدّمهم : هل تقدرون على إعادته ؟ فقال : لو بذل لنا السلطان عن كل حجر ألف دينار لم يمكنا ذلك . وقال أبو الحسن المسعودي في مروج الذهب : وأما الأهرام فطولها عظيم وبنيانها عجيب عليها أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السالفة ، والممالك الدائرة لا يدرى ما تلك الكتابة ولا المراد بها ، وقد قال من عني بتقدير ذرعها : أن مقدار ارتفاع الهرم الكبير ذهابا في الجوّ نحو أربعمائة ذراع أو أكثر ، وكلما صعد دق ذلك ، والعرض نحو ما وصفنا ، وعليها من الرسوم علوم وخواص وسحر وأسرار الطبيعة ، وإن من تلك الكتابة مكتوبا ، إنا بنيناها فمن يدّعي موازاتنا في الملك ، وبلوغ القدرة وانتهاء أمر السلطان فليهدمها وليزع رسمها فإن الهدم أيسر من البناء والتفريق أسهل من التأليف . وقد ذكر أن بعض ملوك الإسلام شرع يهدم بعضها فإذا خراج مصر لا يفي بقلعها ،